أحمد بن محمد القسطلاني

310

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

في المسجد على عهد رسول الله ) ولأبي ذر : النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني ، فذهبا بي إلى النار ، فإذا هي مطوية ) أي : مبنية الجوانب ( كطي البئر ، وإذا لها قرنان ) بفتح القاف ، أي : جانبان ( وإذا فيها أناس ) بضم الهمزة ( قد عرفتهم ، فجعلت أقول : أعوذ بالله من النار . قال فلقينا ملك آخر ، فقال لي : لم ترع ) بضم المثناة الفوقية وفتح الراء وجزم المهملة ، أي : لِم تخف ، والمعنى : لا خوف عليك بعد هذا ، وللكشميهني في التعبير : لن تراع ، بإثبات الألف ، وللقابسي : لن ترع ، بحذف الألف . واستشكل من جهة أن لن ، حرف نصب ، ولم تنصب هنا . وأجيب : بأنه مجزوم بلن ، على اللغة القليلة المحكية عن الكسائي ، أو سكنت العين للوقف ، ثم شبه بسكون المجزوم ، فحذف الألف قبله ، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف ، قاله ابن مالك . وتعقبه في المصابيح ، فقال : لا نسلم أن فيه إجراء الوصل مجرى الوقف ، إذ لم يصله الملك بشيء بعده . ثم قال : فإن قلت : إنما وجه ابن مالك بهذا في الرواية التي فيها : لم ترع ، وهذا يتحقق فيه ما قاله من إجراء الوصل مجرى الوقف . وأجاب عنه ، فقال : لا نسلم ، إذ يحتمل أن الملك نطق بكل جملة منها منفردة عن الأخرى ، ووقف على آخرها فحكاه كما وقع . اه - . 1122 - " فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ . فَكَانَ بَعْدُ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلاً " . [ الحديث 1122 - أطرافه في : 1157 ، 3739 ، 3741 ، 7016 ، 7029 ، 7031 ] . ( فقصصتها على حفصة ، فقصتها حفصة على رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال ) : ( نعم الرجل عبد الله ) وفي التعبير من رواية نافع عن ابن عمر : إن عبد الله رجل صالح ( لو كان يصلّي من الليل ) لو للتمني لا للشرط ، ولذا لم يذكر الجواب . قال سالم : ( فكان ) بالفاء ، أي : عبد الله ، ولأبوي ذر ، والوقت ، والأصيلي : وكان ( بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً ) . فإن قلت : من أين أخذ عليه الصلاة والسلام التفسير بقيام الليل من هذه الرؤيا ؟ . أجاب المهلب : بأنه إنما فسر عليه الصلاة والسلام هذه الرؤيا بقيام الليل ، لأنه لم ير شيئًا يغفل عنه من الفرائض ، فيذكر بالنار . وعلم مبيته بالمسجد ، فعبر عن ذلك بأنه منبه على قيام الليل فيه . وفي الحديث : ( إن قيام الليل ينجي من النار ) . وفيه ، كراهة كثرة النوم بالليل . وقد روى سنيد ، عن يوسف بن محمد بن المنكدر ، عن أبيه ، عن جابر مرفوعًا : قالت أم سليمان لسليمان : يا بني لا تكثر النوم بالليل ، فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرًا يوم القيامة . وكان بعض الكبراء يقف على المائدة كل ليلة ويقول : معاشر المريدين لا تأكلوا كثيرًا فتشربوا كثيرًا فترقدوا كثيرًا فتتحسروا عند الموت كثيرًا . وهذا هو الأصل الكبير ، وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام . وفي هذا الحديث : التحديث ، والعنعنة ، والقول ، وأخرجه أيضًا في : باب نوم الرجل في المسجد ، كما سبق وفي : باب فضل من تعارّ من الليل ، ومناقب ابن عمر ، ومسلم في : فضائل ابن عمر . 3 - باب طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ( باب طول السجود في قيام الليل ) للدعاء والتضرع إلى الله تعالى ، إذ هو أبلغ أحوال التواضع والتذلل ، ومن ثم كان : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد . 1123 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، كَانَتْ تِلْكَ صَلاَتَهُ ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ . ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِي لِلصَّلاَةِ " . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع ( قال : أخبرنا ) وللأصيلي : حدّثنا ( شعيب ) هو : ابن أبي حمزة ( عن ) ابن شهاب ( الزهري ، قال : أخبرني ) ولأبي ذر ، والأصيلي ؛ حدّثني ، بالإفراد فيهما ( عروة ) بن الزبير ( أن عائشة ، رضي الله عنها ، أخبرته ) : ( أن رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كان يصلّي ) من الليل ( إحدى عشرة ركعة ، كانت تلك ) أي : الإحدى عشرة ركعة ( صلاته ) بالليل . قال البيضاوي : بنى الشافعي عليه مذهبه في الوتر ، وقال : إن أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة ، ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى . ( يسجد السجدة من ذلك ) الألف واللام لتعريف الجنس ، فيشمل سجود الإحدى عشرة ، والتاء فيه لا تنافي ذلك ، والتقدير : يسجد سجدات تلك الركعات طويلة ( قدر ) أي : بقدر ، ويصح جعله وصفًا لمصدر محذوف ، أي : سجودًا قدر ، أو يمكث مكثًا قدر ( ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه ) من السجدة . وكان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك ، اللهم اغفر لي . رواه المؤلّف فيما سبق في صفة الصلاة من حديث عائشة . وعنها : كان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول في صلاة الليل في سجوده : " سبحانك لا إله إلا أنت " .